أحمد بن علي الرفاعي الكبير
138
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
يا داود ! بشر المذنبين بأني غفور ، وأنذر الصدّيقين بأني غيور . يا داود ! من لقيني وهو يخافني ، لم أعذبه بناري ، ومن لقيني وهو يحبني ، لم أحزنه بفراقي ، ومن لقيني وهو مستحيي مني ، لم أخجله يوم يلقاني . يا داود ! جنتي لمن لم يقنط من رحمتي ، وغضبي على من أخطا خطيّة فاستعظمها في جنب عفوي ! ولو عاجلت أحدا بالعقوبة ، إذن عاجلت القانطين من رحمتي ، وما العجلة من شأني ، فها أنا مطلع على قلوب أحبائي ، إذا جنّ الليل ، جعلت أبصارهم في قلوبهم ، فخاطبوني على المشافهة ، وكلموني على الحضور . يا داود ! لولا أني ربطت أرواح أحبائي في أبدانهم ، لخرجت الأرواح من أبدانهم ، شوقا إلى لقائي . يا داود ! إن من عبادي عبادا جعلتهم للخير أهلا ، وجعلت لهم المؤانسة نصيبا ، طوبى لهم وحسن مآب . وروي أن اللّه تعالى ، أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام : إني قضيت على نفسي أن لا يحبني عبد من عبادي ، أعلم ذلك من قلبه ، إلا أني كنت سمعه وبصره ولسانه ، وأبغّض إليه كلّ شيء ، وأمنعه شهوات الدنيا ولذاتها ، وطيب عيشها ، وأطّلع عليه في كل يوم سبعين ألف مرة ، وأزيد له كل ساعة : لذائذ حبي ، وحلاوة أنسي ، وأملأ قلبه نورا مني ، حتى ينظر إليّ كل ساعة فأمسح برأسه ، وأضع يدي على ألم قلبه ، حتى لا يشكو منه ، وأنا أسمع خفقان قلبه ، من الشوق إلى لقائي ، والخوف من قطيعتي ، وهو يقول : حقيق عليّ أن لا يسكن قلبي ، حتى أصل إليك يا ربي ! . يا يحيى ! وكيف يسكن قلب المشتاق ، وأنا غاية منيته ، ومنتهى أمله ؟ وهو كل ساعة يتقرب إليّ وأتقرب إليه ، وأسمع كلامه ، وأعلم أسفه ، وأحب صوته . فو عزتي وجلالي ! لأنقبنه يوم القيامة منقبا يغبطه الأولون والآخرون ، ثم آمر مناديا ينادي من تحت عرشي : هذا فلان ابن فلان ، وليّ اللّه وصفيّه ، دعاه اللّه ليقرّ عينه . ثم آمر برفع الحجاب حتى ينظر حبيبي إليّ ، وأقول : السلام عليك عبدي ووليّي ، أبشّرك . قال : فغشي على يحيى ، فلم يفق ثلاثة أيام ، فلما أفاق قال :